فخر الدين الرازي
114
تفسير الرازي
ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) * اعلم أنه لما قال قبل هذه الآية : * ( ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) * ( النحل : 97 ) أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعماله عن الوساوس فقال : * ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الشيطان ساع في إلقاء الوسوسة في القلب حتى في حق الأنبياء بدليل قوله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) * ( الحج : 52 ) والاستعاذة بالله مانعة للشيطان من إلقاء الوسوسة بدليل قوله تعالى : * ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) * ( الأعراف : 201 ) فلهذا السبب أمر الله تعالى رسوله بالاستعاذة عند القراءة حتى تبقى تلك القراءة مصونة عن الوسوسة . المسألة الثانية : قوله : * ( فإذا قرأت القرآن ) * خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به الكل ، لأن الرسول لما كان محتاجاً إلى الاستعاذة عند القراءة فغير الرسول أولى بها . المسألة الثالثة : الفاء في قوله : * ( فاستعذ بالله ) * للتعقيب فظاهر هذه الآية يدل على أن الاستعاذة بعد قراءة القرآن وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين قال الواحدي : وهو قول أبي هريرة ومالك وداود قالوا : والفائدة فيه أنه إذا قرأ القرآن استحق به ثواباً عظيماً ، فإن لم يأت بالاستعاذة وقعت الوسوسة في قلبه ، وتلك الوسوسة تحبط ثواب القراءة أما إذا استعاذ بعد القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصوناً عن الإحباط . أما الأكثرون من علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة ، وقالوا : معنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ، وليس معناه استعذ بعد القراءة ، ومثله إذا أكلت فقل : * ( بسم الله ) * وإذا سافرت فتأهب ، ونظيره قوله تعالى : * ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) * ( المائدة : 6 ) أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا ، وأيضاً لما ثبت أن الشيطان ألقى الوسوسة في أثناء قراءة الرسول بدليل قوله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) * ( الحج : 52 ) ومن الظاهر أنه تعالى إنما أمر الرسول بالاستعاذة عند القراءة لدفع تلك الوساوس ، فهذا المقصود إنما يحصل عند تقديم الإستعاذة . المسألة الرابعة : مذهب عطاء : أنه تجب الاستعاذة عند قراءة القرآن سواء كانت القراءة